عمر السهروردي

459

عوارف المعارف

ثم ينبغي للشيخ أن يعتبر حال المريد ، ويتفرس فيه بنور الإيمان ، وقوة العلم والمعرفة ما يتأتى منه ومن صلاحيته واستعداده . فمن المريدين من يصلح للتعبد المحض وأعمال القوالب وطريق الأبرار . ومن المريدين من يكون مستعدا صالحا للقرب وسلوك طريق المقربين المرادين بمعاملة القلوب والمعاملات السنية ، ولكل من الأبرار والمقربين مباد ونهاديات ، فيكون الشيخ صاحب الإشراف على البواطن ، يعرف كل شخص وما يصلح له . والعجب أن الصحراوى يعلم الأرضاى والغروس ، ويعلم كل غرس وأرضه ، وكل صاحب صنعه يعلم منافع صنعته ومضارها . حتى المرأة تعلم قطنها وما يأتي منه من الغزال ودقته وغلظته ، ولا يعلم الشيخ حال المريد وما يصلح له . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكلم الناس على قدر عقولهم ، ويأمر كل شخص بما يصلح له ، فمنهم من كان يأمره بالاتفاق ، ومنهم من أمره بالإمساك ، ومنهم من أمره بالكسب ، ومنهم من قرره على ترك الكسب كأصحاب الصفة . فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرف أوضاع الناس وما يصلح لكل واحد ، فأما في رتبة الدعوة فقد كان يعمم الدعوة ، لأنه مبعوث لإثبات الحجة وإيضاح امحجة يدعو على الإطلاق ، ولا يخصص بالدعوة من يتفرس فيه الهداية دون غيره . ومن أدب الشيخ أن يكون به خلوة خاصة ، ووقت خاص ، لا يسعه فيه معاناة الخلق ، حتى يفيض على جلوته فائدة خلوته ، ولا تدعى نفسه قوة ظنا منها أن استدامه المخالطة مع الخلق والكلام معهم لا يضره ولا يأخذ منه ، وأنه غير محتاج إلى الخلوة .